محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
224
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
عباراتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد ، فالأول حال السالكين ، والثاني حال أرباب الممكنة والمحققين . إنما يقع التعبير منهم عمّا يطالعون به من الأمور الغيبية والعلوم الإشهادية لأحد معنيين : إما حال غلبة الوجد عليهم وفيضانه ، وهم معذورون في ذلك لوجود الغلبة ، وهذا حال السالكين من أهل الهداية ، وإمّا لقصد هداية مريد فيلزمهم ذلك لما فيه من فائدة الإرشاد والهداية ، وهذا حال أهل التمكين والمحققين من أهل النهاية ؛ فإن عبّر السالك لا عن غلبة وجد كان في ذلك نوع من الدعوى وإن عبّر المتمكن من غير قصد هداية مريد كان في ذلك إفشاء سرّ لم يؤذن له فيه ، وأيضا فحاله يقتضي وجود الصمت وعدم النطق ؛ لأنه في حضرة الحق تعالى يتلقى ما يرد على سمع قلبه من عجائب العلوم وغرائب الفهوم فكيف يصدر منهم نطق أو تعبير على غير الوجه المذكور . والصمت من آداب الحضرة ، قال اللّه عزّ وجل : وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [ طه : 108 ] . العبارات قوت لعائلة المستمعين . وليس لك إلا ما أنت له آكل . المستمعون موسومون بالفقر والحاجة إلى معنى ما يستمعون إليه من المواعظ والحكم ، وهو قوت قلوبهم ، وغذاء أرواحهم ، كما أنّ المستطمعين والسّؤّال موسومون بالفقر والحاجة إلى قوت أبدانهم ، وكما أن أقوات هؤلاء مختلفة فلا يصلح لواحد من هؤلاء ما يصلح للآخر من الأطعمة والأشربة لاختلاف طبائعهم وأمزجتهم فكذلك أقوات الآخرين مختلفة ، فلا يصلح لواحد منهم من العبارات التي تتضمن وجود القوت المعنوي ما يصلح للآخر لاختلاف مذاهبهم وتباين مطالبهم ، فإذا سمعت عبارة من عالم أو عارف أو أحد من أهل هذا الطريق ولم تحظ منها بشيء فاعلم أنها لا تصلح لقوتك وغذائك وهي صالحة لقوم آخرين . ومما ينتظم في هذا السلك أن تقرع أسماع بعض الناس العبارة من بعض الأشخاص فيفهم منها معنى لم يقصده المتكلم ويتأثر باطنه بذلك تأثرا عجيبا ، وقد يقع ذلك لجملة من الناس فيفهم كلّ واحد منهم ما لا يفهمه الآخر ، ويحصل لهم بذلك التأثر مع أن المتكلّم لم يرد شيئا من ذلك ، وربما كان ذلك مضادا له ، وقد يسمع أرباب القلوب من الجمادات ويستعدون به لسنيّ الحالات ، قال في « لطائف المنن » : « وربما فهم من اللفظ ضدّ ما قصد واضعه كما أخبرنا الشيخ الإمام مفتي الأنام تقيّ الدين محمد بن علي القشيري ، رحمه اللّه ، قال : كان ببغداد فقيه يقال له « الجوزي » يقرأ اثني عشر علما ، فخرج يوما قاصدا المدرسة فسمع منشدا يقول :